سيد محمد طنطاوي

17

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( يَخْشَوْنَ ) * من الخشية ، وهي أشد الخوف وأعظمه ، والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، وهو ما لا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل . أي : إن الذين يخشون ربهم فيخافون عذابه ، ويعبدونه كأنهم يرونه ، مع أنهم لا يرونه بأعينهم . . هؤلاء الذين تلك صفاتهم ، لهم من خالقهم - عز وجل - مغفرة عظيمة ، وأجر بالغ الغاية في الكبر والضخامة . وقوله * ( بِالْغَيْبِ ) * حال من الفاعل ، أي : غائبا عنهم ، أو من المفعول . أي : غائبين عنه . أي . يخشون عذابه دون أن يروه - سبحانه - . ويجوز أن يكون المعنى : يخشون عذابه حال كونهم غائبين عن أعين الناس ، فهم يراقبونه - سبحانه - في السر ، كما يراقبونه في العلانية كما قال الشاعر : يتجنب الهفوات في خلواته عف السريرة ، غيبه كالمشهد والحق أن هذه الصفة ، وهي خوف اللَّه - تعالى - بالغيب ، على رأس الصفات التي تدل على قوة الإيمان ، وعلى طهارة القلب ، وصفاء النفس . . ثم بين - سبحانه - بأبلغ أسلوب ، ان السر يتساوى مع العلانية بالنسبة لعلمه - تعالى - فقال : * ( وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِه إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . . . ) * . وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية ، أن المشركين كانوا ينالون من النبي صلى اللَّه عليه وسلم فلما